أدب وشعرمقالات منوعة

دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني

ملخص كتاب دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني (ت:471هـ)

لكلّ علم رموزه وأعلامه التي سرعان ما تتبادر أسماؤهم إلى الذهن بمجرد ذكر العلم الذي برعوا فيه؛ إلا أن ما يميّز عبد القاهر الجرجاني أنّه عالمٌ موسوعيٌ جمع المجد من أطرافه؛ إذ برع في النحو والصرف والبلاغة، فكان بحق أحد أبرز علماء العربية الذين أثروا المخزون التراثي العربي بأعماله التي ما زالت مصدراً أساسياً يعتمده الباحثون إلى يومنا هذا.

وما زالت نظرية النظم التي وطّد قواعدها الإمام عبد القاهر محوراً لا يمكن تجاوزه في البلاغة العربيّة.

نبذة مختصرة عن المؤلف عبد القاهر الجرجاني

بدايةً لا بدّ من استحضار السيرة الذاتية لعبد القاهر الجرجاني لنتعرف على حياته ونشأته: “هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني (400-471 هـ، 1009-1078م) – أي أنه عاش في مطلع القرن الخامس الهجري وتحديداً في العصر العباسي الثاني – النحوي المتكلم، ولد بجرجان” في بلاد فارس، كان محبّاً للعلم والثقافة والأدب كغيره من أبناء عصره، إلّا أنّ اهتمامه بالنحو والأدب والشريعة فاق كل اهتمام، ولأنّ أسرته كانت متوسطة الدخل لم يسمح له وضعه المادي بالسفر خارج مدينته لأخذ العلم من نحاة العربية -كما كان شائعاً- إلّا أن ّ ذلك لم يمنعه من أن يتتلمذ على يد أستاذه القدير أبي الحسين الجرجاني، كما تعلّم الكثير من الشيخ أبي علي الفارسي، وأحبّ الأدب فأخذ عن القاضي الجرجاني، ونقل عن أسلافه سيبويه والجاحظ وأبي علي الفارسي وابن قتيبة وقدامة بن جعفر والآمدي والقاضي الجرجاني وأبي هلال العسكري وأبي أحمد العسكري والهمداني والمرزباني والزجّاج

وكان شافعيّاً عالماً، أشعرياً” ذا نسك ودين، توفيّ سنة إحدى وسبعين وأربع مئة للهجرة في مدينة جرجان.

أعمال عبد القاهر الجرجاني

له مؤلفات في النحو: (المُغني- المُقتصد– التكملة– الإيجاز– الجمل في النحو– شرح الجمل في النحو– العوامل المائة في النحو– التذكرة– التّتمة).

وله مؤلفات في الصرف: (العمدة في التّصريف– المفتاح في الصرف).

أمّا في مجال البلاغة فكتابيه (دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة)

كما له مؤلفات في الشعر منها: (المختار من دواوين المتنبي والبحتري وأبو تمام)، وله أشعارٌ أُثبتت في كتابه (دلائل الإعجاز) يوثّق فيها لنظريته في النّظم، قائلاً:

” إنّي أقولُ مقالاً لستُ أُخفيه          ولستُ أرهبُ خصماً إن بدا فيه

ما من سبيلٍ إلى إثبات معجزةٍ          في النّظمِ إلَا بما أصبحتُ أُبديه

فمــا لنظيمِ كلامٍ أنت ناظمُـــهُ          مَعنىً سوى حُكمِ إِعرابٍ نرجّيهِ“… إلى آخر القصيدة

وهو إن صح التعبير ناقدٌ أصدر أحكاماً، وأجرى موازنات بين الشعراء.

من مؤلفاته الأخرى (الرسالة الشافعية في الإعجاز- رسالة في تقسيم العلوم– تحقيق الكليّات).

خلاصة أهداف كتاب دلائل الإعجاز والغرض من تأليفه

مقدمة تحدث فيها عن مكانة العلم، وعن الشعر والنحو، ومهّد للكلام في الفصاحة والبلاغة وفي إعجاز القرآن، وتحقيق القول في البلاغة والفصاحة، ثم انتقل إلى الكناية والاستعارة والتمثيل بالاستعارة، ورجّح الكناية والاستعارة والتمثيل على الحقيقة، وانتقل إلى الحديث عن تفاوت الكناية والاستعارة والتمثيل، ليبدأ القول في نظم الكلام ومكان النحو منه، عارضاً مزايا النظم بحسب المعاني والأغراض، مشيراً إلى أنه في النظم يتّحد في الوضع ويدق فيه الصنع. إقرأ أيضاً مفدي زكريا – نظرية نقدية

أهم المحتويات كما وردت في الفهرس

جاء الباب الأول في التقديم والتأخير مكوناً من مدخل، تحدّث فيه عن مواضع التقديم والتأخير في: (الاستفهام، النفي، الخبر، مثل وغير، قاعدة عامة)، ثم انتقل إلى الحديث عن تقديم النكرة على الفعل وعكسه.

وجاء الباب الثاني في الحذف مكوناً من مدخل، ثم تحدّث عن حذف المبتدأ، فالمفعول به وخلص إلى نتيجة، لينتقل بعدها إلى الباب الثالث الذي عنونه بـ (الفروق في الخبر “تقسيمه”): ضمّ الباب مدخلاً تحدّث بعده عن الفروق في الخبر: (الاسم والفعل في الإثبات، التعريف والتنكير في الإثبات، القصر في التعريف، نكت أخرى للتعريف، التعريف بالذي)، لينتقل بعدها إلى الحديث عن الفروق في الحال. إقرأ أيضاً أدونيس- نظرة نقدية

أما الباب الأخير وهو بعنوان الفصل والوصل: ضمّ أيضاً مدخلاً

أصالة المادة العلمية في محتوى دلائل الإعجاز

والتي يمكن الاستدلال عليها من حجم الاقتباسات من كتب أخرى، ويعدّ هذا الكتاب من أهمّ كتب إعجاز القرآن الكريم؛ اذ وضّح لنا من خلاله أهميّة معنى النحو والبلاغة من خلال الاستعانة بالقرآن الكريم، كما قد جمع فيه خلاصة الآراء النقديّة لمن سبقه من أعلام العربية في هذا المجال، رافداً أفكارهم وجهودهم بآرائه وأفكاره ومنهم: (الواسطي في كتابه إعجاز القرآن في نظمه)، و (أبي هلال العسكري في كتابه الصناعتين)، و(القاضي عبد الجبار المعتزلي).

فهم وإن سبقوا الجرجاني في حديثهم عن النظم، إلا أنّ الفضل يعود للجرجاني في شرح وتبسيط فكرة بما يسمى (نظرية النظم)، ومن هنا تكمن أهمية الكتاب في ربط الجرجاني علم النحو بعلم المعاني، والتأكيد على أهمية انتظام اللفظة المفردة مع المفردات الأخرى في الجمل؛ إذ لا قيمة لها في ذاتها، مؤكداً على أهمية انتظام المفردات مع ما قبلها وما بعدها، وبالتالي تؤدي المعنى الذي يقصده المتكلم لتلتقي بذلك بلاغة الكلمة وفصاحتها وفق تطبيق نظرية النظم التي بناها على أسسٍ أربعةٍ، وردت على الترتيب الآتي:

  • التقديم والتّأخير: فلمّا كان للكلام ترتيبٌ منطقيٌّ معيّنٌ رأى الجرجاني أن تقديم كلمة على أخرى أو تأخيرها يساعد المتلقي على فهم المعنى المراد إيصاله له، وقد تحدّث هنا عن:
  • أ‌- تقديم اسم على آخر أو تأخيره عنه.
  • ب‌- تقديم الفعل أو الاسم وتأخيرهما.
  • ت‌- الحرف وتعلّقه بالاسم أو الفعل.
  • الحذف: ويرتبط بسابقه؛ فالحذف هو الخطوة التي تلي التقديم والتأخير، ويتمّ من خلاله تعديل وتنسيق الكلام بطريقةٍ أقرب إلى ذهن المتلقيّ، ففصّل فيه:
  • أ‌- حذف الاسم وذكره.
  • ب‌- حذف الفعل.
  • ت‌- حذف الحرف.
  • الفروق: وتختص بالخبر، ويميّز فيه بين خبر المبتدأ في الجملة الاسمية، وبين الخبر الذي يعدّ زيادةً في خبرٍ آخر سابق له، فتناول:
  • أ‌- الجملة التي يكون الاسم المكوّن الأساس لها.
  • ب‌- الجملة التي يكون الفعل المكوّن الأساس لها.
  • ت‌- الجملة التي يكون الحرف المكوّن الأساس لها.
  • الفصل والوصل: وهو المرحلة الأخيرة في عملية إنشاء الكلام، إذ يميّز الجرجاني بين الوصل والفصل بين الجمل، وبين الوصل والفصل بين الكلمات داخل الجملة الواحدة، فتناول بالحديث: (الوصل والفصل الاسمي، الوصل والفصل الفعلي، الوصل والفصل في شبه الجملة).
  • ثم أورد خاتمة تليها فصولاً ملحقة بالكتاب.

فوائد جنيتها من الاطلاع على كتاب دلائل الإعجاز

إنّ اطلاعي على هذا الكتاب ، مكنني من معرفة المنزلة الرفيعة التي ينالها الإمام عبد القاهر الجرجاني، إذ إنّ علم البلاغة بدأ مع الجاحظ، ومن ثمّ مع ابن المعتز واضع الأسس البلاغية، ومن ثمّ توطدت أركان البلاغة مع أبي هلال العسكري الذي خصّ البلاغة وجعلها علماً مكتمل الأركان وقائماً بذاته. ومن ثمّ جاء الإمام عبد القاهر الجرجاني الذي كان أفضل من أدرك علم البلاغة ولطائفه، فاستخدمه لإدراك جماليات الشعر والأدب.

كما مزج التنظير بالتطبيق، فكان مثالاً يحتذى لا يدانيه أحدٌ في صنيعه، وعلى الرغم من أن الزمخشري كان تلميذاً للإمام عبد القاهر الجرجاني، إذ تابع عمله ونهجه في كتابه الكشاف، لكنّ كل اللاحقين لهما لم يسيروا على نهج الإمام عبد القاهر الجرجاني، فأصبحت القواعد البلاغية قواعدَ جافة صبّة ، خالية من التذوق الجمالي.

وربما نستطيع القول إن الإمام الفخر الرازي أول من قعّد البلاغة، وجعل لها قوانين صلبة تخالف طبيعتها، ومن ثم أتى السكاكي ليقسمها إلى ثلاث أقسام: البيان والمعاني والبديع؛ ليصبح تقسيمه هو الأكثر شيوعاً في الدراسات البلاغية.

جعل الإمام الجرجاني العلوم البلاغيّة مفاتيحاً، يطبقها على الشعر والأدب والقرآن، فهو عدّ تلك العلوم هي مفاتيحَ تذوقيّة تنطلق من الشعور الجمالي في النفس، وتتزامن مع تموجات الخاطر ومن الخيال وأبعاده.

بهذه العزيمة التحليلية، مضى الإمام عبد القاهر الجرجاني يستنتج القاعدة البلاغية من النص، أو يدمج التطبيق بالتنظير بعد طول درايةٍ وتحليلٍ.

فالإمام الجرجاني يبحث عن الجمال في النص الأدبي، لا يهدف من وراء ذلك إلى زيادة التسميات البلاغية، ولا يسعى لتأسيس قاعدة بلاغية، ممّا جعله على رأس الهرم البلاغي حتى يومنا هذا. فالإمام سار على هديٍ من التأمل التذوقي والجمالي.

إذ سعى إمام البلاغة يتحدّث عن ألوان البديع ذاكراً الأمثلة الكثيرة، مبيناً مواطن الشاهد ومفسراً وموضحاً له ، ثمّ يأتي بأمثلة ليقارنها به ، فيظهر جماله أو قبحه، مركزاً على السجيّة وما يناسب الطبع، وكانت المعاني هي المنطلق الأساسي الذي استند عليه الإمام عبد القاهر الجرجاني في قراءة الألفاظ والتراكيب، فالسمة الأساسية التي اتسمّ بها تحليل عبد القاهر الجرجاني هي البحث والكشف عن مكامن الجمال في النص الشعري، إذ يحلل و يركب ويناقش ويستنتج ، ويصل إلى مكامن الجمال ومن ثمّ يوصلنا إليها. وفي تحليلات الجرجاني لا نشعر أنّ البلاغة هي عبارة عن قواعد صبّة جامدة، بل إن تقسيماته فرضها العقل والذوق كذلك.

الخاتمة:

لكلّ علم رموزه وأعلامه التي سرعان ما تتبادر أسماؤهم إلى الذهن بمجرد ذكر العلم الذي برعوا فيه؛ إلا أن ما يميّز عبد القاهر الجرجاني أنّه عالمٌ موسوعيٌ جمع المجد من أطرافه؛ إذ برع في النحو والصرف والبلاغة فكان بحق أحد أبرز علماء العربية الذين أثروا المخزون التراثي العربي بأعماله التي مازالت مصدراً أساسياً يعتمده الباحثون إلى يومنا هذا.

وما زالت نظرية النظم التي وطد قواعدها الإمام عبد القاهر محوراً لا يمكن تجاوزه في البلاغة العربيّة.

بقلم الدكتورة آلاء دياب

المراجع

كتاب دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني

نقاط نظرية النظم

زر الذهاب إلى الأعلى